اليمن و دروس اربعة عقود
منذ إعلان الجمهورية في 26 سبتمبر 1962 وحتى اليوم، شهد اليمن حروبا داخلية عدة ذات أبعاد إقليمية ودولية، ما جعل سنوات الاستقرار في تاريخه منذ قيام الجمهورية نادرة وتكاد تكون استثنائية
فالثورة التي أعلنت الجمهورية، تلتها حرب أهلية بين الملكيين والجمهوريين منذ 1962 وحتى العام 1970. وإذا ما وضعت هذه الحرب جانبا، فان الاستقرار يبدو استثناء في تاريخ هذا البلد الذي تعاقبت عليه الانقلابات العسكرية والحروب الداخلية.
على نحو ما، يذكرنا الوضع السائد في اليمن اليوم بالعام 1979، أي بعد شهور قليلة من تولي الرئيس علي عبد الله صالح الرئاسة. كانت قوات الجبهة الوطنية (ائتلاف أحزاب يسارية كان مدعوماً مما كان يعرف باليمن الديمقراطي) تسيطر على مناطق كبيرة من اليمن.
تضاف إلى هذا محاولات جنوبية للتوغل العسكري، بهدف إسقاط النظام في صنعاء. لقد تمكن صالح من هزيمة تمرد الجبهة الوطنية، وبدأ خطوات طويلة لإعادة الاستقرار إلى اليمن وقد نجح في ذلك.
يكاد الموقف أن يكون مماثلا اليوم، رغم فوراق المقارنة بالتأكيد، فلحظات الضعف التي مرت على اليمن في عقود سابقة، تتبدى اليوم شاخصة بقوة. وإذا كان تمرد الحوثيين في «صعدة» محصورا جغرافيا، وكذا جبهة الجنوب (بدرجة أقل)، فإن الحرب على تنظيم «القاعدة» مسرحها اليمن كله.
فالحرب ضد هذا التنظيم تبدو أقرب لحرب مع الأشباح، فليس هناك من عدو محدد الملامح مثلما هو التمرد الحوثي مثلا، وليست له حركة محددة أو ارض يقف عليها. المشكلة هنا أخطر بكثير، لأن القاعدة ليست أفرادا فحسب، بل مقولات ومنظومة خطاب يجتذب البسطاء من الناس. كما أن الوسائل العسكرية ضدها غالبا ما تأتي بضحايا ليسوا في الحسبان، فتكسب المزيد من التعاطف.
المشكلة يلخصها جيدا مسؤول أمني يمني عندما يعلن أن «المشكلة في اليمن تكمن في المتعاطفين مع تنظيم القاعدة».
وحسب رئيس أركان قوات الأمن المركزي في اليمن العميد يحيى محمد عبد الله صالح، فإن مواجهة القاعدة تتطلب «مواجهة على جبهات عدة: أولا يجب أن يتم التخلص من الأعذار التي تستخدمها القاعدة، ثم المواجهة على الصعيد الاقتصادي، ثم الفكري وما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية، وأخيرا المواجهة العسكرية ضد تنظيم القاعدة».
لكن هذه التحديات تعيد لحظات الضعف في تاريخ اليمن من جديد، وهي حقيقة دفعت الاهتمام الدولي بالوضع في اليمن إلى حدوده القصوى، مع اقتراح رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون لمؤتمر دولي حول اليمن في لندن.
والمسؤول الأمني اليمني في حديثه مع «بي بي سي»، يشير بوضوح إلى أن «القاعدة تحاول أن تضعف اليمن»، قبل أن يخلص إلى أن «اليمن يحتاج إلى دعم كبير جدا حتى لا يكون دولة ضعيفة، لأنه ليس من مصلحة اليمن ودول المنطقة أن يصبح اليمن دولة ضعيفة».
لكن لحالة الضعف المتجددة هذه في أوقات التأزم، حقيقة أخرى من حقائق اليمن، هي الضعف المزمن للدولة في مواجهة القبيلة.
هنا لا يمكن الحديث عن نوع واحد من الحلول أو الخطط، بل إن المسار الذي اختطته الحكومات اليمينية المتعاقبة، بما فيها حكومة الرئيس علي عبد الله صالح منذ 30 عاما، لا يقترح إلا أجوبة هي من صميم مسؤوليات أي حكومة في العالم.
إن خطط التنمية والتعليم وتحسين مستويات المعيشة، يمكن أن تضعها أي حكومة في أي بلد، لكن النجاح سيبقى مرهونا دوما بمدى إخلاص هذه الحكومات للأهداف التي تضعها، واعتماد الأدوات المثلى للتطبيق:
الديمقراطية، المحاسبة، النقد، الشفافية ومكافحة الفساد والهدر، واحترام حقوق الإنسان. هنا، ثمة إخفاق وهو ما ظل يعمل على تغذية نوازع التمرد أيا كان مصدره. وفي اليمن، اعتاد الناس والقبائل الاحتجاج العنيف من أجل قضايا حياتية، أو للمطالبة ببناء مستشفى أو مدرسة أو طرق معبدة.
في ما خص تنظيم «القاعدة»، فإن المثال الذي شاهدناه في أكثر من بلد عربي يتكرر، فالتحالف مع الإسلاميين لضرب الخصوم الآخرين (اليسار) تكرر في اليمن أيضا، والمؤسف أن السيناريو متشابه في فصوله، تماما مثلما جرى في مصر وبلدان أخرى. لقد كان الإسلاميون في طليعة الهجوم على عدن في حرب 1994، وهاهم اليوم على رأس قائمة الأعداء والمخاطر المحدقة باليمن.
نعم، يحتاج اليمن إلى دعم عربي، لكن إذا كانت دروس أربعة عقود غير كافية، فإن نتائج الدعم العربي أو حتى الدولي، لن تكون إلا نتائج قصيرة المدى.
نقلا من "البيان" الاماراتية
|
التوقيع بدوي الجنوب |
|

رويدك يا قلمي ......
فإن الكلمة أمانة |
|